صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
5
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
عقلا بالفعل وأن يصير النوع الحيواني من جملة الملائكة المقربين وأن يصير النفس الآدمية عالما معقولا مضاهيا للعالم المحسوس قوله وهي أنه الحكمة المطلقة هذا العلم علم حر مطلق عن الافتقار إلى غيره والتعلق بما سواه وسائر العلوم بمنزلة العبيد والخدام لهذا العلم لأن موضوعاتها إنما يثبت في هذا العلم فهو المعطي لثبوت موضوعاتها في العقل ومقدمات براهينها إنما يبرهن عليها في هذا العلم أو يبرهن ما يتوقف هي عليها فيه فكما أن موضوعات هذا العلم مبادي لموضوعات سائر العلوم فكذلك مسائل هذا العلم مبادي لمسائل سائر العلوم فجميع العلماء من حيث هم العلماء بمنزلة العيال والخدام للعالم الإلهي لأنهم المحتاجون إليه في أخذ مبادي علومهم وأرزاقهم المعنوية منه قوله لأن العلوم إما خلقية أو سياسية هذان العلمان من الحكمة العلمية الباحثة عن الموجودات التي وجودها باختيارنا وفعلنا وهي ثلاثة لأنها إما أن يتعلق بتعليم الآراء التي ينتظم باستعمالها المشاركة الإنسانية العلمية ويعرف بتدبير المدنية ويسمى علم السياسة وإما أن يتعلق بما ينتظم به المشاركة الإنسانية الخاصة ويسمى بتدبير المنزل وإما أن يتعلق بما ينتظم به حال الشخص الواحد في تزكية نفسه وتصفية ذهنه ليستعد بذلك لقبول العلوم النظرية التي بها يحصل السعادة العظمى والسيادة الكبرى وخلافة الله في الأرض والسماء والآخرة والأولى ويسمى علم الأخلاق والشيخ أدرج القسمين الأولين تحت قسم واحد لاشتراكهما في معنى السيادة سواء كانت مدنية عامية أو منزلية خاصية ولأنهما مشتركان في أن المنظور إليه فيهما هو المعاملة مع الغير وإصلاح الخارجيات بخلاف تهذيب الأخلاق فإن المنظور فيه المعاملة مع النفس وإصلاح الداخليات من القوى الشهوية والغضبية والوهمية قوله وإما منطقية وليس في العلوم الحكمية علم خارج عن هذه فظهر من هذا الكلام أن علم الميزان عند الشيخ من جملة أقسام الحكمة فتكون داخلة في الحكمة النظرية إذ من الظاهر أنه ليس من أقسام الحكمة العملية بناء على التعريف والتقسيم المذكورين وإن كان متعلقا بكيفية عمل وغايته أيضا ليست نفس الرأي والعلم بل الإصابة في الفكر والعصمة من الخطاء وقد علمت أنه لا منافاة بين كون العلم نظريا وبين كونه متعلقا بكيفية عمل كما لا ملازمة أيضا بين كونه متعلقا بكيفية عمل وكونه علميا فالمنطق يشارك سائر العلوم النظرية في الموضع المشترك ويخالفها في الغاية ويوافق العلوم العملية في الغاية المشتركة وهي نفس العمل سواء كان ذهنيا أو خارجيا ويخالفها في الموضوع لأن موضوعاتها الأعمال والأفعال التي بقدرتنا واختيارنا من حيث هي كذلك وموضوعات المنطق المعقولات الثانية التي ليست بقدرتنا واختيارنا ومن رام إدخاله في العمليات فعلية أن يغير منشأ تقسيم العلم إلى العلمي والعملي وتعريف القسمين بأن يجعلهما باعتبار الغاية لا باعتبار الموضوع فيقول الحكمة النظرية ما غايتها حصول علم ورأي والحكمة العملية ما غايتها حصول عمل أو كيفية عمل لكن الأحسن والأولى أن يكون تمايز العلوم باعتبار تمايز الموضوعات لأن الموضوعات أجزاء للعلوم والغايات خارجة عنها ولا شك أن التعريف والتقسيم باعتبار الجزء أولى منها باعتبار الخارج قوله ولا في شيء منها بحث عن إثبات الإله تعالى جده فيه نظر لأن الطبيعيين يبحثون عن إثبات الإله جل ذكره من طريق الحركة وأنه لا بد أن ينتهي المتحركات والمحركات إلى محرك غير متحرك غير متناهي القوة دفعا للدور والتسلسل والجواب أن المراد أن إثبات الإله بحسب وجوده في نفسه ليس مطلوبا في غير هذا العلم وإنما يبحث الطبيعي عن إثبات مبدأ للحركة غير متناهي قوة التأثير ليس بجسم ولا جسماني لأنه يبحث عن أحوال الجسم بما هو متحرك وعن مبدأ حركة الغير المتناهية فليس مطلوبه إثبات وجوده تعالى في نفسه بل وجوده للحركة والمتحرك من حيث هو متحرك فأين هذا المطلب من ذاك وإن لزمه بالعرض من جهة أن وجود الشيء لغيره يستلزم وجوده في نفسه وهذا في الاعتذار أولى من الذي سيذكره الشيخ والحاصل أن وجود الواجب في نفسه ليس مطلوبا في شيء من العلوم إلا هذا العلم قوله ولا يجوز أن يكون ذلك إلى آخره قوله ذلك خبر يكون واسمه محذوف أي لا يجوز أن يكون المطلوب أو المبحوث عنه في سائر العلوم هو إثبات الإله والغرض أنه كما لم يقع ذلك لا يجوز أيضا أن يقع لما أشار إليه بقوله وأنت تعرف هذا بأدنى تأمّل لأصول كررت عليك وهي أن المطلوب إثبات العرض الذاتي لموضوعه وأن العرض الذاتي ما يلحق الشيء لذاته أو لأمر يساويه وأن موضوع المسألة إما نفس موضوع العلم أو نوع منه أو عرض ذاتي له أو لنوع منه على وجه حقق في مقامه وأن مقوم موضوع العلم بحسب مهيته أو وجوده لا يجوز أن يكون مطلوبا في ذلك العلم وأن ما هو المبدأ لجميع الموجودات لا يصح أن يكون النظر فيه بعلم جزئي ولا أيضا يصح أن يكون بنفسه موضوعا لعلم جزئي لأنه يقتضي نسبته إلى كل موجود فمن تأمّل في هذه الأصول عرف أن إثبات الإله تعالى ليس مطلوبا إلا في هذا العلم قوله إذ قد تبين لك من حال هذا العلم أنه يبحث عن المفارقات فيه إشارة إلى أن إثبات المبدإ الأعلى لا يجوز أن يكون من مطالب العلم الكلي لأنه ليس أمرا عاما فيجب أن يكون العلم به جزءا من هذا العلم الأعلى فكما أن علم النفس من حيث إنها مبدأ حركة جزء من العلم الطبيعي وأما النظر فيما يخصها من حيث هي مفارقة الذات فإنه يتعلق بالعلم الناظر في أحوال